مقالات هريرة


نشرها محمد في  
هراء
بسم الله الرحمن الرحيم
سألتني -فتق الله ذهنك بالحكمة- أن أجمع لك مقالات هريرة وأرفع شأنها وأبعدها عن العُجمة وقلت أني جديلها المحكك وعذيقها المرجب فجمعت عددًا منها ثم تفكرت في أمري فلم أجد نفعًا مما أفعله، فليس هذا علمًا نصبو إليه بل لهوًا نترفع عنه، وهأنذا أورد لك ما جمعته لعلك تجد فيه غايتك التي تبتغي ولا يكون مقتًا وإضاعة للوقت.

المقال الأول: في التغير وسبيله

قالت هريرة: لطالما رغبت في التغير وتمنيت بلوغ العلا غير أن هذه الرغبة بقيت رغبة ولم تتحقق وما إن بدأت في السعي إليها أنتكس وأعود للبداية بيد أني كلما أرجع إلى البداية أتعلم أمرًا جديدًا في نفسي وأقترب الشيء اليسير من هدفي وقد جمعت هذه الأمور في رسالتي هذه ولو شئت لأفضت وأوردت ولكني أخشى أن أثقل عليك -أيها الأخ القارئ- وأثقل على نفسي فيما لا يتطلب الاثقال.

اعلم أن أهم أمر عليك أن تضعه حلقة في أذنك أنك لست الضحية ولم يتكالب كل أهل الدنيا عليك ليمنعوا عنك هدفك بل إنما إخفاقاتك هذه كلها وفشلك من جناية نفسك وقعودك لها واتباعك لشيطانك فإذا عرفت هذا قومت نفسك بدل أن تلوم غيرها دون جدوى هذه واحدة

أما الثانية فهي أنه عليك ألا تستعجل الحصاد وتحسب أنك تستجني ما تزرع في يومك بل إنك تحصد ما زرعته في وقته وكل شيء له وقتة

قيل: وما الثالثة؟

قالت: الثالثة ستعرفها أنت وقت فشلك.


المقال الثاني: في كتابة أهداف السنة

قيل لُهريرة اضربي لنا مثل الإنسان يكتب سُطور مُسطرة فيها أهداف كُل سنة ولا يُحقق منها إلا القليل.

فقالت هُريرة: إن مثل هذا كمثل من أراد أكل فيل في لقمة فكما أن الفيل لا يُؤكل في لقمة فالأهداف لا تُنجز في مرة وإنما الأمر بالتدرج هدفًا هدفًا حتى يعرف المرء طاقته. فقيل لها: احتالي لنا بحيلة تنفعنا في أمرنا هذا؟ فقالت: لا أعرف حيلة أنفع من حيلة العجم التي سموها S.M.A.R.T ومعناها فيها فلكل حرف دلالة ... فالحرف الأولS اختصار لـ specific أي مُحدد فعليك أن تحدد هدفًا مُحددًا بدل أن تقول أنك ستتعلم البرمجة قُل سأتعلم برمجة مواقع الشابكة وإن شئت فزد التحديد وقل سأتعلم تصميم الواجهات. والثاني فهو M اختصارٌ لـ Measurable أي أن خير ما يعينك على تحقيق هدفك أن يُقاس فتقيسة كُل فترة لترى تقدمك وإلى فستنساه. والثالث فهو A اختصارًا لـ Attainable أي أن هَدفك يُحقق فلا تكتب مُعجزات وتحسب أنك ستحققها فجأة ما هكذا تجري الأمور في دنيانا هذه. والرابع R اختصار لـ Relevant على هدفك أن يُلائمك وأن يكون هدفًا تود تحقيقه فعلا وليس هدفًا مُزيفًا زُرع فيك. الخامس T اختصار لـ Time bound عليك أن تربط هدفك بوقت مُحدد لتُضطر لتنفيذه فإن تركته هكذا ستبقى تماطل حتى تمضي السنة دون أن تلاحظ.

وهذه خمس نصائح تُعينك على تحقيقك هدفك غير أنها لا تكفي وحدها فعليك أن تحافظ معها على نفسك وذهنك وإني أعرف حيلة تعينك على هذا وهي دفتر النعم أنعم الله علينا بنعم لا تُحصى ولكننا ننساها ونعتبرها أمر عاديًا ونكدر على أنفسنا بالبحث عن ما ينقصنا ولا نفرح بما عندنا ولذا وُجد دفتر النعم لتدون فيه كُل نعمة تشعر وتحمدالله عليها. وكذلك عليك أن تذكر نفسك بهدفك على الدوام اطبعه وعلقه أمامك ضعه خلفية لهاتفك احط نفسك جُن به.

وأزيدك أن تنظر في رفقتك وتبتعد عن رفقة السوء وصحبة الحمقى والمغفلين فالصاحب ساحب.

ولا تنسى الرياضة والسلام


المقال الثالث: بين الراحة والمجد

ثم إن هُريرة -هداها الله- راكمت الحمل فوق الحمل على ظهرها رغبةً في إرضاء نفسها وسعيًا في المجد والرفعة فدرست الساعات الطوال واشتغلت وصنعت محتوى وكذلك كانت تلتهي في شؤون بيتها كغيرها من النساء ولم تذق طعم الراحة قط فهي لم تعد تجد راحة في الراحة إذ أنها هوست بالمجد ولم يمض من الوقت الكثير حتى صار المجد سلسلة تكبلها وأراء الناس قيدًا يقيدها وصارت تجد قيمتها في كلام الناس وأراءهم وأخشى ما تخشاه أن يُقال لها: ما توقعت هكذا، توقعت منك الأحسن، خيبت ظني وغيرها من الكلمات وبقيت على هذا مدة حتى منَّ عليها الله وهداها إلى أنها ليست إلا فتاة ضعيفة عليها ألا تتوهم أنها كامل وتحمل نفسها ما لا تطيق وتوكل أمرها لله وهو حسبها ولا داعي للاستماتة لارضاء الناس بل عليها ارضاء رب الناس وكفى فنظمت حياتها ولم تعد تثقل نفسها بما لا تطيق وتجلى الغمام الذي أحاط بها وأضاءت حياتها بعدما أظلمت.


المقال الرابع: في تأجيل عمل اليوم للغد

قالت هريرة: قال فلان إن كانت عازمًا على أكل ضفدع فكله بُكرة ولا تؤجله عشيةً وهذا تشبيه لحالنا مع واجباتنا فعلينا أن لا نؤجلها ونؤديها من البداية

قال رعد: أرى أن حبكِ للعجم وانبهاركِ بفكرهم أوصلك لموصل لا تجيدين فيه ضرب الأمثال بل تأخذينها كما جاءت وأرى فيك شبهًا مع الأميين الذين يقبلون تخاريف كهنتهم على ماهي عليه أما علمت أن أكل الضفدع مُحرم علينا وأن الأمثال وجدت لتقريب المعنى لا لتبعيده فمن سيأخذ بكلامك وهذه أمثلتك؟

قالت: هريرة أُشير إلى القمر والأحمق ينظر إلى اصبعي إن مثل الضفدع محض مثل وليس حقًا فتخيل هذا وحسبك العبرة منه كما أن عالمنا متأثر بالعجم كل التأثر ولا أعرف غيرك اعترض على هذا أما الباقون فاقتنعوا به لاسيما لمّا عرفوا أن عنوان لكتاب فلان فمن أمانة الترجمة أن تبقى الاسم على ما هو عليه.

قال رعد: إن العربي ينبغي له أن يزيد المنقول إلى لغته فصاحةً على ما كان عليه عند كاتبه، فللأقوام لغةٌ يسيرون بها في عادتهم وعادة العرب في الكتابة الفصاحة

قالت هريرة: هذا ليس موضوعنا إنما موضوعنا هو كيف تدع عنك المماطلة والحل هو أن تقوم بالعمل الصعب أولاً، ولا تقاطعني وأبقي فصاحتك لنفسك.

اعلم أن خير ما يعينك هو أن تبدأ بالصعب إلى السهل كما قلنا هذا في حال تكافؤ الأهمية فإن كانت السهل أهم فلا ضير أن تبدأ به ومما يعينك أيضًا أن تُبعد عنك المشتات فإن العقل يميل عن الغاية إن شتته مُشتت وتعلم من الدراسة التي أجروها على رهطٍ وضعوهم في غرفة ليس فيها إلا طفّاي تشغيله يصعقك صعقة كهربائية فوجدوا أن أغلبهم مكث فترة فارغًا ثم صعق نفسه من فراغه، فهذا يريك أن النفس تختار الألم على الفراغ فإن أبعدت المشتتات فستجد أنك تفعل ما عليك لأنك لن تقدر أن تبقى فارغًا

قال رعد: إنك تعيدين نفس الخطأ فلا حاجة لنا بدراساتك الأعجمية فقد قال سلفنا الصالح: أن النفس إن لم تشغلها فيما ينفعها شغلتك فيما لا ينفعك

قالت هريرة: إن هذه الدراسات هي مِصداق قولي وبُرهان إنصافي.

قال رعد: إنما هذا مصداق من لا مصداق له فلا حاجة لدراسة خزعبلية تثبت بها أمر واضحًا كُل الوضوح

قالت هريرة: ثُم إن ثالث ما يُعينك المكان فأن تدرس في مكتبك خير من أن تدرس في سريرك فإن العقل يتذكر النوم في السرير ثم إنك إذا ما بقيت على هذا تخلط بين الأمرين فلا تنام حسنًا ولا تذاكر حسنًا فلا بهذا ولا بهذا.

قال رعد: أرى أنك أخذت بقولي فلا أراك ضربت مثلاً أعجميًا أو ذكرت دراسة أعجمية

قالت هريرة: لا، بل اتفق أن هذا ما كان.


المقال الخامس: في لغة الجسد

قالت هريرة: زعموا أن رجلاً كان يُحادث أحدهم ذات يوم ففكر أثناء حديثهما وقال وما يدريني فيما يفكر هذا وما حاله؟ أمسرور بكلامي أم يهوى صفعي ونسيان مقالي وأفرط في الفكرة ساعة بعد ذهاب وقال: لابد لي أن أُمكث وأدرس أحوال الناس وما يصدر منهم لعلي أعرف شيئًا من خفاياهم وإن كتبت هذا في كتاب أضرب عصفورين بحجر واحد فأتعلم وأُعلم وأنال مجدًا لم ينله غيري فمكث سنين يُخالط الناس ويصبر على أذاهم ويدرس أحوالهم فخالط العوام وطلاب العلم والملوك وأبنائهم والخدم والشحاتين والمحتالين وهلم جرًا واشتغل في الخياطة والحدادة والنجارة والتجارة وكل ما يخطر عليك من صنائع ولم يغفل عن تدوين ما يتعلمه في دفتره ثم جلس بعدها يقلبه فوجد أنه قد ملأ صحائف لا تحصى، كل سطر منها حكاية، وكل كلمة سرٌ لُفظ دون أن يدري صاحبه ثُم جمعها في كتاب اسماه مُختصر الكلام في لغة جسد الإنسان غير أنه ما إن انتهى من كتابته قال: لأي شيء كتبت هذا وما ابن آدم إلا بحرٌ يموت المرء قبل أن يعرف ما في باطنه وهذا الكتاب الذي كتبته لا يعدل قطرة وتلك عوائدي متى ما حققت هدفًا قلت: أهذا حدها؟ ثم رمى الكتاب في القمطر ونسي بعد طول الفترة حتى إذا وافته المنية فتشوا في بيته فوجدوا كتابه هذا وأعجبوا فيها أيما إعجاب ووجدوا فيه من الفائدة ما لم يصل لها احدٌ قبله وصار يتعلمه كل من أراد يفهمه الناس وحركاتهم واشتهر يوم لا ينفع صاحبه شهرته.

وقالت هريرة: ثم إني سأذكر بعض ما جاء في كتابته وتذكر أنه جزء من العلم وليس العلم كله

اعلم -رعاك الله- أن قدم الإنسان تتوجه دون وعي لمن تهوى كلامه فإن رأيت قدم سامعك متجه نحوك فالغالب أنه استحسن كلامك والعكس بالعكس واعلم أن مكان اليد يريك حالته كذلك وسأضرب لك بلاعبي الورق مثلا فلو أمعنت النظر فيهم تجدهم على أحوال عدة فترى من يلعب واضعًا يديه على الطاولة وترى القابض يديه على بعضهما وترى الداس يديه خلف الطاولة والواضح أن الأول منكب على اللعب بكل جوارجه والآخران لا يأبهان باللعبة

واعلم أن للعين لغة أبلغ من ألف مقال فبؤبؤها يتوسع ويضيق بحسب حالها وإعجابها بالمقال غير أنه قد يتوسع ويضيق لأسباب أخرى كذلك مثل المرض وكذا باقي الحركات فلا تحكم من حركة واحدة وتثبت

ولتكشف زيف مقال أحدهم انظر لثلاث: حركة عينه وحكه لأنفه وأسلوب كلامه أما حركة العين فعادة الناس أن يميلوا عينهم عند كذبهم ويحكون أنفهم لدفع التوتر وعادة الكاذب أيضًا أن يغرقك بالتفاصيل ليوهمك أن قصته حقيقة ولكن هذا يُحدث أثرًا مُضادًا، واعلم رعاك الله أن الكاذبين درجات فقد لا تظهر هذه العلامات جلية على كذاب فذ وقد لا تظهر بتاتًا

قلت: إن كان هذا ما كان فصدق الكاتب برمي كتابه وراء ظهره فهو لا يعدل شروى نقير.


المقال السادس: في كسب مَلَكة اللغة العربية

قالت هريرة: إن الدرب طويل وعرٌ مسلكه فاستعن بالعزم اجعله أمامك والحزم اجعله إمامك ثم أبطل أثر العجمة بقراءة مؤلفات العرب واترك مؤلفات العجم حتى تثبت قدمك فلا تزل وتهوى أخرى وإني ناصحتك أن تجن بما تتعلم وتفكر فيه جل يومك وتغير حياتك كُلها على هواه، الأمر ليس أمر لغة فحسب فكر كما يفكر العرب وتقمص هويتهم وتخيل إنك مرتحلٌ نجيبة وقائدَا جنيبة تارة وأنك في وادي عبقر تارة أخرى، تخيل أنك تحتال مع أبي الفتح الاسكندري وتكيد مع دمنة وتنصح الملك مع إبلاد، وهذا ما في الأمر أما الباقي فمعروف والكل يعرف مكان العلم لكن يخفي عليهم كيف يعيه صدرهم.


المقال السابع: في تعلم لسان العجم

قالت هريرة: أنجع طرق التعلم هو التعلم دونما تكلف بأن تحيط عقلك باللغة من كل حدب وصوب كأن تغير لغة هاتفك للإنجليزية وتشاهد الأفلام بالإنجليزية وما إلى ذلك فيتعلمها العقل دون إدراك.


المقال الثامن : في اللاوعي

قالت هريرة: زعموا أن علماء نفس أتو برجل ووضعوا أمامه يد بلاستيكية وقالوا له سنجعلك تؤمن أن هذه يدك الحقيقية ثم وضعوا رداء علي يده حتى لا يراها وصاروا يحركون اليد البلاستيكية كالحقيقية وبعدها كسر العالم اليد بلاستيكية فزعق الرجل زعقَةً أرجفت ذئباً كان يتربص فخر صريعاً كأنما يده الحقيقية هي التي كُسرت فاهتدوا بهذه التجرية أن الجسد تابع للعقل يشعر بما يمليه عليه وكل أمراض الجسد ماهي إلا وهم رماه العقل بها وعليها ألا يركن إليها فيمرض.


المقال التاسع: في أن المرء هو من يجني على نفسه

قالت هريرة: إن المرء وهو من يضع نفسه في المكان الذي هو وكل ما يحدث له من جناية نفسها فإن تشائم فسدت حياته ونغصت عيشاه وإن تفاءل رأى العالم بهي المنظر حسنًا وعاش في سعادة وهناء وأضرب لك في هذا مثل فتاةٌ صحت من فراشها وراحت إلى الحمام تنظر نفسها في المرآة فقالت
أنتِ أميرة وجميلة أنتِ أحسن امرأة في الدنيا
ومثل أبو زيق صحى من فراشه فراح إلى الحمام ليغسل وجهه فقال: لعن الله منظرك

فتلك بدأت يومه بداية طيبة وذاك بدأ يومه بالسوء وإلى هذا ينتهي يومه.


المقال العاشر: في مادة الرغبة الدوبامين

بينما كان العالم عالمًا أهله في هم وغم وتخبط مما هم فيه قامت هريرة في معرض بيان يسمع الصم وينزل العصم وقالت: إن أصل هذا البلاء فينا ومنا وهو ماجنيناه على أنفسنا بتغييرنا لقوانين العقل وعبثنا بمواده وأولها مادة الرغبة التي سماها العجم الدوبامين وهي المادة التي ترغبك في فعل الفعل وتُحركك وتُكافئك على انجازك وهي نفسها التي توقعك في غياهب الظلمات إن أفرطت فيها وتصييرك مهمومًا تسعى لمتعة بالية تحسب أنها تبعد همك وهي تزيده والأدهى أن هذا يتكرر ويتضاعف أبدًا ما لم تعيه وتحتل لردعه كما زعموا أن جمال البائد ردعه بعدما وعاه مُتأخرًا وقد كان جمال هذا ولعًا بالألعاب الرقمية منذ الصغر وكبر وأسس شركته غير أنه مازال مولعًا باللعب يسهر عليه الليل ويتأخر عن عمله ومازال ينكر حتى نزلت لعبة جديدة سهر يلعبها لبزوغ الفجر على أن عنده موعد مهم مع مُستثمرين ثم نام فتأخر عنهم ووصل غير مستعد ورفضه المستثمرون فوعى على نفسه أخيرًا و علم أن مادة الرغبة تصنع من أفعالك مثل الرياضة والعمل والمذاكرة ولا تؤخذ من غير أماكن مثل الألعاب والمسلسلات وغيرها ومثل هذا كمثل وجبة سريعة تصدر منها الأمراض والأسقام ووجبة مفيدة يصدر منها التغذي والنمو فأصلح غلطه وأعاد البوصلة لمكانها.

وإنما حكيت لكم هذه القصة لتعووا أن الأمر يسير لا يلزم إلا علمًا فمن يعرف أنه لن يصلح شيئا وسيفسد أشياءً سيتركه فلا يربطه بها إلا وهمه أنه مستمتع.

والسلام